الشيخ محمد الصادقي
291
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » ( 14 : 22 ) . ف « ما أَطْغَيْتُهُ » تعني : ما حملته على الطغوى إلزاما وتسييرا ، وإنما دعوته إليها تزيينا وتخييرا ، فهما إذا يختصمان ، فيرد أمر الجبار : « لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ » إذ لا يجوز الخصام عند الملك العلام - حال : « وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ » : للمضلين ألا يضلوا ، وللمضلين ألا يستضلوا ، فإذ أضل أولاء وضل هؤلاء فهما في العذاب مشتركان : « وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ . فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ . فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ . فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ » ( 37 : 33 ) . ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ والقول هنا يعني - فيما يعني - : كلمة العذاب : « وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ » . إن تبدّل قول العذاب من اللّه - أيا كان - هو كثير ، فإن العبيد كثير ، واللّه هو العلي العلام الكبير ، فاليسير منه كثير ، ان ظلما وليس منه ، أو عدلا وفضلا وهما منه ، فلا يعني - إذا - نفي الظلم الكثير « وَما أَنَا بِظَلَّامٍ » هنا - إثبات اليسير . فلو لم يقدم اللّه قولا بالوعيد ثم عذب ، كان فيه ظلم كثير ، فإنه إغراء بالجهل ، فأخذ على غرة وجهالة ! ولو لم يعذب بعد ما لا يقدم فهو ظلم كثير ، بالنسبة للعبيد الذين عاشوا التقوى بحرمان شهوات الهوى ، فالتسوية بين الأبرار والفجار ظلم كثير ! ولو قدم قول الوعيد العدل ثم خالفه إلى مزيد فهو ظلم كثير ! أم لو عذب الضالين دون المضلين ، أو المضلين دون الضالين فهو ظلم كثير ! أم لو خالف قول الوعيد العدل إلى الجزاء غير الوفاق - أيا كان - فإنه ظلم كثير : « وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » لا في تقديم القول بالوعيد ، ولا في تحقيق الوعيد ، فهو قول عدل